المدير الطاعون .
قصة قصيرة. بقلم / علاوة درارجة
يعتمد على أفكار غيره في ترتيب الجمل غير المترابطة ، ويترنح كورقة خريف في مجموعة الأشجار العارية ، لا يمل من تكرار نفس الصور ، ولا يمل من إعادة نفس الجمل مدير لكل شيء ، مسؤول عن كل شيء . جسمه المترامي الأطراف من وقع الأكل لا يحتمل لباس الصيف و لباس الشتاء ولم يكن ذات يوم بشكل صحيح وخاصة إذا وضع نظارة بيضاء مشوشة تضعه في موضع غير موضعه ، ينتابه في الكثير من الأحيان جنون البقر يحتمي وراء عظمة مزيفة و كلام غير متناسق كهيكل قديم معوج الجدران .
يمارس طقوس غريبة تجعل منه مريض الوهم ، و تسير به نحو حلقة مفرغة يدور من حولها باحثا عن وهم لا يدرك اسمه ، ولا يعرف شكله و لا يدرك ما معناه ...المدير لا يعرف شيء في دائرته الواقعة في زاوية مشبوهة تتخللها أضواء باهتة لا يعرف طريقها إلا هو ، و من تبع خطاه من الأحمرة و الأحصنة ، و منذ زمن بعيد نقر نقرة على باب مغلق...ثم عاود الكرة كالمسيح المزيف ...و تسلق الرمل الاصفر . ينظر الى نفسه البائسة من كثرة القنوط ، تعلوها نقطة حمراء بين عينيه ترسم على خديه دموع الذل و الحيرة المقلدة . يشكو هذا المدير من عصبية زائدة و يتلو في قلبه آيات الشيطان الذي يسكن نفسه الخبيثة ، مريض ، لعوب ، مبتسم سموم الاقباط في هياكل الموتى الاحياء ، يمارس وظائف مزيفة لا فيها معاني البشرية ولا الانسانية .
...يدخل الطاعون مكتبه صباحا ككل صباح ملغما بآيات الروح الشيطانية التي تسكنه من رأسه حتى القدمين . يطارد من طريقه كل طريدة يعلم أن في الأمر أشياء ، و لكن دون أن يدرك أن الأمر فيه خير و بركة لمن حوله ، فتتحول خيرات المكان إلى فضاء يعج بريح صرصر يترصد كل شيء ، فالطاعون يحب المطر و العواصف و الريح العاتية حتى يصطاد هو في غبار العواصف شرور الناس و يبقي على ضعفهم و استسلامهم لنزواته التي لا تنتهي . في جوفه سرطان يجرف الأخضر و اليابس و يكتم ما في خارج الجوف ، يتعاطى كل أنواع الحشيش ، وجهه مسه الجرب من كثرتها واسودت ملامحه من الزيف فيه كل شيء لا أخلاقي ولا نظيف ، أكثر من الشيطان في عصيانه ، وأكثر من ابليس في شره ، تكاد جثته أن تزيد انتفاخا من صور يراها بعينيه التي تشع شرارة نار باقية
هذا الطاعون ، عنده كل شيء بثمن ،، غال أم بخس لا يهم المهم أن يرى نفسه البائع و المبتاع ، يذهب للتملص من الخير إلى مساحات اللهو و كأنه يهرب من شيء لا يعرفه و لا يدركه .
ينام ليلا على صفير الريح في أذنيه ، و يصبح على صفير الريح في أذنيه ...إحساس بتهميش عظيم لأنه يريد أن يكون في كل مكان كشيطان بليد ، يقدس الكذب و يحترم المنافق ، و يزيده افتخارا كلما عاث في الأرض فسادا ، نفسه مريضة مرض السل لا تستطيع أن تتنفس هواء نقيا من فرط الحشو و التهام الحق و إثبات الباطل ، نفسه تريد أن تسيطر على هياكل خبيثة تصوم عن الخير ، و تبيت الليل تسبح تسابيح السرطان الضمآن الذي يسكن جوارحهم .
و في أحد الايام يحاول المدير الطاعون و هو في ثوبه المتسخ أن يفعل ما يطلبه شيطانه في كل ليلة و هو كالوحش الجائع الذي يأكل الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ ، أصابه الذعر حين سمع الكلام ، الذي لا يريد سماعه ، حين قيل له : أيها الطاعون كلْ ما شئت ، من أي صحن ، و لكن لا تقترب ، من طيف الذي يدحض سكاكين الموت برجليه ، حتى لا يجعلك كالبطة التي تغتسل في مياه الأودية السوداء ، فانتفخ كطائر الديك الهندي ، الذي يحاول عبثا أن يترجل على أنثاه ، ثم سكن ذليلا في ثوبه الخنز ، وريح نفسه العفن ، ليهتف لصاحبه وكأنه المسيح الدجال أنا الفاعل ، أنا العامل ، أنا الرافض ، أنا القابل ،، أنا ...أنا ... وحاول أن يتصور نفسه كل البساط الأخضر ، و بعد ان استفاق وجد نفسه مرميا في مكتب مرمي به دم الذبيحة التي تصوّرَ ذبْحها ،، يا لِجُبن المدير الطاعون ، لا يملك في يده سوى سوط معذبه الذي يريد تعذيب نفسه الخبيثة و روحه المقهورة .
...لم يكره بعد ، ولم يقرر بعد ، ولم ينهض بعد من مرارة ما قاساه من وابل الكلام الحق الذي سمعه من قبل ، و عاود الكرة في جنون قبيح ، وعاد اليه الصوت نفسه ، و بجرأة ، أيها الساكن سفينة الغرق ، ارحل قبل أن يأتيك الريح فجأة و تصبح من الغابرين .. صعد صخرة رمل عله أن يرى الناس من أعلى ليخطب فيهم فتزحلق وارتمى كخنزير مسَّهُ الجنون فلمِسَ رأسه حجرة من صلب الرمل فأدْمَتْ وَجْهَهُ المسود فأردته مسكينا ، و يتيما من كل الذين صفقوا له عند صعود الصخرة ، و بقي كذلك تضحك عليه الخليقة و هو يحاول النهوض من فوق تلك الصخرة التي جعلت منه الباكي اللقيط ، الهاوي العبيط ، تذكر حينها أنه الطاعون فهو الأجدر بأن يسكن تلة فوقها تلة تحتوي على غباء السنين التي قضاها على سفح جبل من رمل دون أن يعلم أن القسيس هو أيضا لا يدري أن للعباد خلاص دون المسيح .
اعتمد المدير طريقة الفصل و الفيصل في تعنته الضخم و ارتقاءه الكاذب في توضيح ثقافة الروح التي تسكنه و ماهي سوى دعارة فكرية تسكنه منذ أن كان طفلا لا تحبه الملائكة ، و منذ أن كان شابا لا يحبه الشيطان فقد استولى على مكانته و أفعاله ، إلى أن وصل الى غيابات الفضل دون الدخول إلى قلبه فهو نفس عاهرة تنقاد خلف الشبق المحموم على وجهه ، وسار في درب الأحمرة التي ساقها قبله الأبالسة الى أن حط رحاله في وسط الويل . دوما يحارب الفضل ، و الخلق والسمات البيضاء التي تحط على الوجوه الملائكية فهو مبتور الخلق و الفضل ، فكيف لا يكره ما هو معكوس لديه ، فالطامة الكبرى أن المدير لا يستفيق من نومة غافل حتى يرجع له العقل و المنطق ، فحاول مصاحبة أصحاب الجلالة و السلالة و عباد الشيح و الزعتر و الزنجبيل ، و ترك من خلفة بقعة بيضاء مسودة مظهرها .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق