الثلاثاء، 12 أبريل 2022

تلة المدينة .....بقلم : علاوة درارجة

 تلة المدينة

 بقلم : علاوة درارجة


اليوم الأول / 

انتصَفَ الَّليْلُ ، وانطفَأَتْ مَصَابِيحُ الْمَدِينَة وَ تَرجَّلَ الرَّاكِبُونَ وَنَامَ كُلَّ مستيقظ  زار المدينة و خرج ، و الرجل الذي غنى للحياة لم يعد يسمع شيئا من ضجيج الرحمة الملقاة  على جانبي الطريق ... النار التي تقتله هي نفس النار التي تحييه ، ونفس الوطن الذي يحضنه هو نفس الوطن الذي ينفيه ، و السماء التي تنعشه هي نفس السماء التي تبكيه ، غنى لكل شيء ، كان يرتدي بدلة كلاسيكية سوداء ويحمل في يده صورة الرحمة التي يحملها في قلبه المشتعل ، و أمام تلة المدينة تنهد بمرارة عن فقدان صاحب الهيكل المتوج بالتبجيل ، جلس على رصيف مكسور عيناه تفيض دمعا لفقدان صديقه ، تمر من أمامه امرأة جميلة تسر الناظرين ، على كتفيها خمار أسود شعشعت من خلال عيناها أضواء المدينة وترصعت يداها بجواهر منقوشة بأنغام الزمرد فوقف ونادى : سيدتي ، سيدتي ، فالتفتت ناظرة إليه تباغته بعينيها اللواتي تبحر في سر منقبض إلى أن أحدثت رجفة لم يكن يدرك أن تبعثره مثل ذرات الرماد ، و سألها بصوت خافت من شدة حزنه على رفيقه ،، ألست التي سكنت الدير ورحلت ، ألست من أحببت و عشقت و تطلعت معك لحياة الصفصاف فعرفت أن المتحدث هو النور و النار هو الجنة و الجحيم ، هو الحياه التي جعلتها حورية جاءت من أبواب السماء ، فوقفت ، فتجمدت روحها في داخلها و عرفت صوت من عشقها و أحبها .

واستدار يبحث عن أفق يتحدث إليه ،، فلم يجد سو صدى الهياكل التي كانت هناك في يوم ما  واحتضنت الحب السرمدي تحت صفصافة تقيهم  حرارة الشمس وأمطار الشتاء ، . صاحت في صمت و جعلت من الليل نهار عندما قالت له أنا المتوجة باسم الدير و الهيكل حينها تيقن أن من تقف أمامه هي الوطن الذي احتواه ، و جعل منه روضة تشع من خلف الزجاج .. 

اليوم الثاني / 

 ترتجف يديها ، تمد يدها نحو سراب مجنح تضعها على تلة الجسد لترتاح من تعب الوهن ، ثم تقف لتبحث عن الذي ناداها فلا تجد سوى الصدى من خلف زجاج المدينة ، و الريح يعصف بخمارها الأسود ولكن ابتسامتها العريضة غدت ماض لا يبتلعه الماضي من مرارة المشهد و الحياة فكانت زهو المدينة و حب المدينة وصفصافة المدينة ، وعند مصعد الدير صارت عبثا لتلة كانت في الماضي صخرة المشهد الليلي وزحفت نحو الأسفل ..                                                       

اليوم الثالث /

 هذه الصورة المشتتة لا توجد إلا في ذهنها ، هي من رمت الماضي و الحاضر و مزقت المستقبل ، تريد أن تبحث عن أي  شيء لا تحبه حتى تكره ما تحبه ، كان يردد هذا الكلام و هو فراشه الذي وضعه إلى جانب بيت كلبه الذي لا يفارقه ، فراشه الذي تسكنه رائحة الموت كان يستمتع به و هو في أحضان ذلك الغطاء الذي زال لونه من فرط الإهمال ، يقف طويلا أمام مرآة مكسورة الجوانب ليرى كيف حولته الأيام من رجل كالجبل إلى هيكل كالجمل ....ومن وطن كان يحميه ،  إلى ريح صار يرميه  كغبار القبور في ليالٍ قاتمة ، غادر مكانه تاركا وراءه سوى فراش الموت وفوضى الزمن متجها لهيكله الذي اعتاد الصلاة فيه ،، فلم يجد في طريقه التلة المترامية على أطراف المدينة وعاد من أول الطريق ، ليعيد ذاكرة الزمن الذي رحل مع تلك المرأة ذات الخمار الأسود ،، مبتسما مع كلبه هذه هي حياة الكلاب ، اليوم في الوطن ،،وغدا في الوهن ..أصابته هستيريا الضحك يحضن كلبه الذي خاف أن يفقده أيضا وترامى به خلف تلة المدينة ...                                                                                                       

اليوم الرابع /

 تخرج من مسكنها و تتواري عن الناس ، ثم تظهر فجأة بحلتها الجديدة ، أرادت بها حياة أخرى غير التي عاشتها ...فجاءها المخاض وانزوت في زاوية المعبد ، لا أحد يذكرها ، لا أحد ينظر إليها ، وعاشت لحظة الميلاد في عالم لا يعرف لحظة الميلاد ...


عين دال ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

خذني معك ....بقلم مريم سدرا

 خذني معگ بعيدا عن ضجيج الأماكن  وأتساع المسافات  بعيدا عن رقعة الزمن  والقوافي والكلمات  أحملني بين شفتيك  كنداء خفي لا تراه  الالسن ولا تس...