أسرع انتصار في أحلى مواجهة فكرية في حياتي ، :*بقلم وألوان :*خالد سليمان
************************************************
لا أخفي عليكم انتقادي الشديد لأساليب التعليم في مجتمعاتنا العربية ، ولاسيّما وتعليمنا الحكومي متوفى من أكثر من نصف قرن أو يقلّ منذ ما يسمّى بمعاهدة السلام ، فتعليمنا أشبه بإنسان صدمته شاحنة ثقيلة ، فصار كل ما فيه ينزف ، ويأتي إليه المصلحون المنقذون من كلّ اتّجاه ، وأنا أقول : هذا ميّت فماذا أنتم فاعلون ؟؟ ، فيقولون : اخرس أنت ظلامي سوداوي ، انظر إصلاحنا للتعليم الرائع ، وأنظر لأجد مصلحا أحضر خيطا يخيط به ما تمزّق من ملابس ، وآخر قد أحضر ورنيشا لامعا ليدهن الحذاء الذي علاه الغبار ، وآخر جاء متلهفا ليربط رباط العنق الذي فقد أناقته من الصدمة ، وفجأة يأتي من يقول : أنا المنقذ ، وإذا به قد أحضر ملابس غربية وفق آخر صيحة ويصرّ على إلباس هذا المتوفّى قائلا : أنا المنقذ أنا المنقذ ، بينما تعليمنا متوفى وجب دفنه ، وعلامة موت التعليم الحكومي أربعة أشياء : ظهور الدروس الخصوصية ،وظهور ما يسمّى بالحضانات الخاصة وظهور ما يسمّى بالجامعات الخاصة ، والعلامة الرابعة لا تقلّ خطورة وهي استهزاء وسائل الإعلام بالمعلم .
بينما كنت قادما لغرفة المعلمين بعد انتهاء حصص ثلاث متوالية ، وإذا بي أجد جمعا من المعلمين الضاحكين لأحاديث جانبية ، وما إن دخلت الغرفة لأصنع كأسا من الشاي بالنعناع ، انتابهم همس مفاجئ لزائر من التعليم المركزي مناصر للتجديد في التعليم أو هو أحد الملمّعين لحذاء المتوفّى ، فقال لي بصوت واضح : أستاذ خالد ما رأيك في برامج تدريب المعلمين ؟ فالتعليم الكلاسيكي انتهى ونريد تطويرا سريعا رائعا للتعليم ، ولكن هناك بعض المعلمين ناقمون على ذلك وهم ضد التقدّم والتطوّر ، فقلت : أنتم تلمّعون حذا المتوفّى ، هل أثبت لك أنّه تعليم فاشل ، وتضييع لجوهر العمل ؟ فعاجلني بقوله : تعليم فاشل !!!!
فقلت له : كم عمر حضرتك ؟ فدهش من سؤالي وكررته ، فقال ثمانية وخمسون عاما .
فقلت له : هل تحفظ سورة الإخلاص ؟؟ ، فقال متضجّرا : أستاذ خالد ، لو تكرّمت لا تهزأ بي ، فقلت له : معاذ الله ، أنت معلمي ومعلم معلّمي ، وأنا أدري أنّك تحفظها : ((قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد)) ، وساد الجميع صمت مثير للدهشة ، لأقول له : ما معنى : الصمد في السورة الكريمة ؟ ، فدهش الجميع وسرت بينهم همهمة وغضب من سؤالي ، وقال هذا الموجّه : وهل سيسألني الله ما معنى الصمد ؟ المهم أن أكون مؤمنا ، فقلت له : كيف تشعر بالخشوع ، وأنت لا تدري معنى الكلمة ؟؟ ،
وبدأ الجميع يردّدون كلمات تبيّن مساحة جهلهم ونفورهم من سؤالي ، ويبدو أنّه استغلّ مناقشة جانبية ، واتصل بصديق له ؛ ليخبره أنّ الصمد هو السيّد الشجاع ، وقد لمحت وضعه للهاتف بطريقة غير متقنة ؛ فأدركت أنّه اتصل بصديق مستغلا شغلي مع الحاضرين ؛ فأخبره ، وقطع حديثنا صوته قائلا : الصمد هو السيّد الشجاع ، فقلت له : الله السيد الشجاع ، فقال هو : لا لا مش راكبة ، فابتسمت ، وقلت : ومش راكبة ليه هي العربية تعطّلت ...؟؟ ، فضحك الجميع ، فقال لي وما علاقة هذا بالتعليم ؟، فقلت له : أجمل سؤال ، أنت عمرك ثماني وخمسون سنة , وتحفظ سورة الإخلاص وأنت في الرابعة من عمرك تقريبا ، ولم تفكّر يوما ما المقصود بالصمد .؟ ، وليست هذه المشكلة فقط أنت لم تحاول أن تسأل ،
فصمت الجميع ، ليدخل أحد المعلمين ويقول ، لا تسمعوا لهذا الرجل إنّه سوداوي ظلامي ، فابتسمت وقلت ، أثبت لك أنني لست كذلك ، هل تحفظ سورة الإخلاص ؟؟ ، فردّ جميع الحاضرين تقريبا : ما معنى كلمة الصمد ؟ ، وضحكوا وضحكت ، فقلت لهم : هذه المرة لا فالصمد يبدو أنّ معناه صعب عليكم ، أنا سأسأل سؤالا سهلا جدا : ما معنى اسم الله في اللغة ؟ ،
فضحك هازئا وقال : اسم ربنا ، فقلت : ما معناه في اللغة ؟ فالخالق هو الذي خلق ، والرازق هو الذي رزق مخلوقاته ، والله ما معناه ؟ !!
فصمت الجميع ، وقلت : هذه ليست المشكلة ؟ المشكلة أننا لا نعلم ، ولم نفكّر لحظة أن نسأل ، ووسط صمت الجميع ، قلت : ما نجهله كثير ولكن فاتنا أن نسأل أهل الذكر ، غدا سأخبركم بالإجابة ، فصاحوا جميعا : لا ، أخبرنا الآن ، فابتسمت وقلت في نفسي : سأكون فارسا لدقيقتين ، وقلت : الله في اللغة هو الذي تألهه القلوب أي تحبه وتتعلّق به وترتبط به وتدعوه وتستغفره وتتوب إليه وتتودّد إليه وتتقرّب إليه ، وتفرّ منه إليه ، وترجوه وتخشاه ، وتدعوه رغبة ورهبة وتأوي إليه القلوب حتى القلوب الجاحدة لم تنكره ((ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله )) ، فلقد كان مشركو قريش أفضل من مشركي هذا الزمان ؛ فلو سألت مشركي هذا الزمان من خلق السموات والأرض ؟ ليقولنّ الطبيعة ،
ما رأيكم يا سادة ؟ ، فقالوا : فعلا نحن لأوّل مرة نعلم هذا ، وإن كنّا نمارس بعضه ، فعاجلوني وما المقصود بالصمد ، فقلت : الصمد هو الذي تحتاجه جميع المخلوقات من جماد ودواب وطيور وجمادات ولا يحتاج الله - سبحانه - إلى أحد منها ، فقال الموجّه : ونعم بالله الصمد ، فابتسمت وقلت : ما رأيك يا معلمنا تعليمنا فاشل أم لا ؟ ، فقال : تعليم فاشل وستين فاشل ، فضحكت وقلت : معلمنا ، أنت الذي أثبت فشل التعليم ولست أنا .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق