الجمعة، 2 ديسمبر 2022

أسرع انتصار .......بقلم :*خالد سليمان

 أسرع انتصار في أحلى مواجهة فكرية في حياتي ، :*بقلم وألوان :*خالد سليمان

************************************************

لا أخفي عليكم انتقادي الشديد لأساليب التعليم في مجتمعاتنا العربية ، ولاسيّما وتعليمنا الحكومي متوفى من أكثر من نصف قرن أو يقلّ منذ ما يسمّى بمعاهدة السلام ، فتعليمنا أشبه بإنسان صدمته شاحنة ثقيلة ، فصار كل ما فيه ينزف ، ويأتي إليه المصلحون المنقذون من كلّ اتّجاه ، وأنا أقول : هذا ميّت فماذا أنتم فاعلون ؟؟ ، فيقولون : اخرس أنت ظلامي سوداوي ، انظر إصلاحنا للتعليم الرائع ، وأنظر لأجد مصلحا أحضر خيطا يخيط به ما تمزّق من ملابس ، وآخر قد أحضر ورنيشا لامعا ليدهن الحذاء الذي علاه الغبار ، وآخر جاء متلهفا ليربط رباط العنق الذي فقد أناقته من الصدمة ، وفجأة يأتي من يقول : أنا المنقذ ، وإذا به قد أحضر ملابس غربية وفق آخر صيحة ويصرّ على إلباس هذا المتوفّى قائلا : أنا المنقذ أنا المنقذ ، بينما تعليمنا متوفى وجب دفنه ، وعلامة موت التعليم الحكومي أربعة أشياء : ظهور الدروس الخصوصية ،وظهور ما يسمّى بالحضانات الخاصة وظهور ما يسمّى بالجامعات الخاصة ، والعلامة الرابعة لا تقلّ خطورة وهي استهزاء وسائل الإعلام بالمعلم .

بينما كنت قادما لغرفة المعلمين بعد انتهاء حصص ثلاث متوالية ، وإذا بي أجد جمعا من المعلمين الضاحكين لأحاديث جانبية ، وما إن دخلت الغرفة لأصنع كأسا من الشاي بالنعناع ، انتابهم همس مفاجئ لزائر من التعليم المركزي مناصر للتجديد في التعليم أو هو أحد الملمّعين لحذاء المتوفّى ، فقال لي بصوت واضح : أستاذ خالد ما رأيك في برامج تدريب المعلمين ؟ فالتعليم الكلاسيكي انتهى ونريد تطويرا سريعا رائعا للتعليم ، ولكن هناك بعض المعلمين ناقمون على ذلك وهم ضد التقدّم والتطوّر ، فقلت : أنتم تلمّعون حذا المتوفّى ، هل أثبت لك أنّه تعليم فاشل ، وتضييع لجوهر العمل ؟ فعاجلني بقوله : تعليم فاشل !!!!

فقلت له : كم عمر حضرتك ؟ فدهش من سؤالي وكررته ، فقال ثمانية وخمسون عاما .

فقلت له : هل تحفظ سورة الإخلاص ؟؟ ، فقال متضجّرا : أستاذ خالد ، لو تكرّمت لا تهزأ بي ، فقلت له : معاذ الله ، أنت معلمي ومعلم معلّمي ، وأنا أدري أنّك تحفظها : ((قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد)) ، وساد الجميع صمت مثير للدهشة ، لأقول له : ما معنى : الصمد في السورة الكريمة ؟ ، فدهش الجميع وسرت بينهم همهمة وغضب من سؤالي ، وقال هذا الموجّه : وهل سيسألني الله ما معنى الصمد ؟ المهم أن أكون مؤمنا ، فقلت له : كيف تشعر بالخشوع ، وأنت لا تدري معنى الكلمة ؟؟ ،

وبدأ الجميع يردّدون كلمات تبيّن مساحة جهلهم ونفورهم من سؤالي ، ويبدو أنّه استغلّ مناقشة جانبية ، واتصل بصديق له ؛ ليخبره أنّ الصمد هو السيّد الشجاع ، وقد لمحت وضعه للهاتف بطريقة غير متقنة ؛ فأدركت أنّه اتصل بصديق مستغلا شغلي مع الحاضرين ؛ فأخبره ، وقطع حديثنا صوته قائلا : الصمد هو السيّد الشجاع ، فقلت له : الله السيد الشجاع ، فقال هو : لا لا مش راكبة ، فابتسمت ، وقلت : ومش راكبة ليه هي العربية تعطّلت ...؟؟ ، فضحك الجميع ، فقال لي وما علاقة هذا بالتعليم ؟، فقلت له : أجمل سؤال ، أنت عمرك ثماني وخمسون سنة , وتحفظ سورة الإخلاص وأنت في الرابعة من عمرك تقريبا ، ولم تفكّر يوما ما المقصود بالصمد .؟ ، وليست هذه المشكلة فقط أنت لم تحاول أن تسأل ،

فصمت الجميع ، ليدخل أحد المعلمين ويقول ، لا تسمعوا لهذا الرجل إنّه سوداوي ظلامي ، فابتسمت وقلت ، أثبت لك أنني لست كذلك ، هل تحفظ سورة الإخلاص ؟؟ ، فردّ جميع الحاضرين تقريبا : ما معنى كلمة الصمد ؟ ، وضحكوا وضحكت ، فقلت لهم : هذه المرة لا فالصمد يبدو أنّ معناه صعب عليكم ، أنا سأسأل سؤالا سهلا جدا : ما معنى اسم الله في اللغة ؟ ،

فضحك هازئا وقال : اسم ربنا ، فقلت : ما معناه في اللغة ؟ فالخالق هو الذي خلق ، والرازق هو الذي رزق مخلوقاته ، والله ما معناه ؟ !!

فصمت الجميع ، وقلت : هذه ليست المشكلة ؟ المشكلة أننا لا نعلم ، ولم نفكّر لحظة أن نسأل ، ووسط صمت الجميع ، قلت : ما نجهله كثير ولكن فاتنا أن نسأل أهل الذكر ، غدا سأخبركم بالإجابة ، فصاحوا جميعا : لا ، أخبرنا الآن ، فابتسمت وقلت في نفسي : سأكون فارسا لدقيقتين ، وقلت : الله في اللغة هو الذي تألهه القلوب أي تحبه وتتعلّق به وترتبط به وتدعوه وتستغفره وتتوب إليه وتتودّد إليه وتتقرّب إليه ، وتفرّ منه إليه ، وترجوه وتخشاه ، وتدعوه رغبة ورهبة وتأوي إليه القلوب حتى القلوب الجاحدة لم تنكره ((ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله )) ، فلقد كان مشركو قريش أفضل من مشركي هذا الزمان ؛ فلو سألت مشركي هذا الزمان من خلق السموات والأرض ؟ ليقولنّ الطبيعة ،

ما رأيكم يا سادة ؟ ، فقالوا : فعلا نحن لأوّل مرة نعلم هذا ، وإن كنّا نمارس بعضه ، فعاجلوني وما المقصود بالصمد ، فقلت : الصمد هو الذي تحتاجه جميع المخلوقات من جماد ودواب وطيور وجمادات ولا يحتاج الله - سبحانه - إلى أحد منها ، فقال الموجّه : ونعم بالله الصمد ، فابتسمت وقلت : ما رأيك يا معلمنا تعليمنا فاشل أم لا ؟ ، فقال : تعليم فاشل وستين فاشل ، فضحكت وقلت : معلمنا ، أنت الذي أثبت فشل التعليم ولست أنا .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

خذني معك ....بقلم مريم سدرا

 خذني معگ بعيدا عن ضجيج الأماكن  وأتساع المسافات  بعيدا عن رقعة الزمن  والقوافي والكلمات  أحملني بين شفتيك  كنداء خفي لا تراه  الالسن ولا تس...