بين نارين - قصة قصيرة
ارزي زيدان
تتأهبُ الشمسُ للرحيل تاركةً خلفها جنودَ الاحتلال مدججينَ بالسلاح يسعونُ في الأرض خراباً ودماراً وبكاءً وعويلا .
وعيونٌ كانت تتوسمُ أن تجدَ طريقاً آمناً يقربها من أهلها القاطنينَ خلفَ الأسلاك ، وقلبٌ ينزِفُ دماً على المسجد الأقصى ، ويدانِ لا تستطيعان حمل أكثر من قطعة حجر تقذف بها المحتل وتفرُّ هرباً من الرصاصِ هنا وهناك .
فتاةٌ وجهها بلون الشمس ، قلبها باتَ كأطلال مأذنة ٍلا تستطيع الآذان ، عيناها تترقبان الموت أو الآسر او الإعتقال ..فلا أحد هنا ينجو من رائحة الضياع ، هكذا كان حالها لسنوات تحاول أن تفعلَ شيئاً.. تقاوم وتسجن ويطلق سراحها حتى أصبح حضن الوطن مستحيلا .
كان القمرُ بدراً يعكسُ ضوءَ الشمس على أرض ٍمحتلة فتظهر كلؤلؤةٍ على سطح ماء جليةٍ للناظرين ولكن لم يتسلل ذلك الضوءُ لعقولٍ وقلوبٍ خانعةٍ راكعة ٍ.. فيهم من باع وخان وفيهم من جاهدَ واستشهدَ وفيهم من يحاول ولكن لم يستطع لضعف قدراته العسكرية أن يقاومَ عدواً يمتلك من القوة الكثير، وكأن الحياة هنا صارت كمقبرة للأحياء .
في داخل غرفتها الصغيرة ذات الحوائط المرتعشة جلست على كرسيّ.ٍ لا يقوى على حملها وبدأت تنظر هنا وهناك من نافذة تطلُّ على الشارع وصوتُ طلقاتِ الرصاص ينشط أحياناً ويختفي أحياناً أخرى وصوتُ الصراخ يملأ المكان ويمزق القلب ضعفاً وخوفاً من ما هو منتظرٌ بعد لحظات، وخوفها المزمن من أن تقعَ في أيدي العدو مرة أخرى فيزيدَ الطين بلةً وتتسعَ الجراحُ وتتعالى صرخاتُ الوجع في عالم يتهيأُ للاحتفال بأعياد الميلاد ومضاجعة النساء والرقص في الحانات والبارات فلا أحد يسمع وعليها أن تلتزم الصمت وتتحمل.
أحضرت حقيبتها ، و وضعت أغراضها ، أعدت فنجاناً من القهوة يشعرها بالدفء رغم حرارة الجو وربما ينعش العقل ويجد مخرجاً، او طريقة تجعلها فى مأمن ٍعن بطش جنود الاحتلال ، دقائق مرت كسلحفاة عرجاء صوت الجراح تبكيها إلا أن النوم بدأ يتسلل إلى رأسها وهي تقاوم وعندما تغلب عليها نامت كجثة هامدة .
بعد أيام استطاعت الهرب إلى إحدى الدول العربية المجاورة في شاحنة حتى وصلت إلى شقيقها الذي سبقها هو وزوجته منذ سنوات وظنت أن الحياة ابتسمت لها من جديد وعليها أن تنسى الماضيَ الأليم، مرت أيام وشهور
فتح فيهما الإكتئاب بابه السحري لها كي تهربَ من قسوة زوجة شقيقها فظلت منعزلة فى غرفة لا ترى الشمس لمدة عام كامل حتى علمت باغتيال شقيقها فقررت العودة وأيقنت أن إحتلال الأرض أهون عليها من إحتلال الإنسان .
الشاعرة أرزي زيدان
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق