بين صوتين (١)
يأتي أحدهم وكأنّ الموت عنده فكرة مؤجّلة، أو كأنّ له موعدا بعيدا أخطأ العنوان.
يجلس بين النّاس وتجلس معه لغته الواثقة، لغة لا تترك فراغا ليمرّ منه الشكّ. ضحكه مرتفع، كراية فوق حصن،
ونكاته مدروسة لتخفي ما لا يقال.
يتحدّث عن المرض كمن يشرح خارطة
وهو واقف خارجها. يقول:
المرض اختبار إرادة، والأجساد ساحة،
ومن يسقط سريعا لم يحسن القتال.
لكن في داخله كان صوت آخر لا يجلس في الحلقة، ولا يرفع يده، صوت نحيل
كخيط رفيع لا يرى بعين مجرّدة. كان يقول له:
وماذا لو لم تكن المعركة عادلة؟
وماذا لو لم يكن السّقوط جبنا بل حملا ثقيلا لا يرى؟ كان يتجاهله. فالصّوت الدّاخليّ
لا يليق بالرّجال حين يكون الجمهور حاضرا. القدر عنده حكاية نحبّ تخويف أنفسنا بها. والطّبيعة ذريعة الكسالى. أمّا الصّوت الآخر فكان يسأل بصبر مؤلم: وهل اخترت جسدك؟
وهل صوّتّ يوما على عدد خلاياك؟
ثمّ جاءه المرض. لم يأت كعدوّ معلن،
بل كجار صامت بدأ يوسّع رقعته على مهل داخل جسده. عندها قال صوته الخارجيّ: تماسك. هذه جولة عابرة.
وقال الصّوت الدّاخليّ: انتبه…
هذا ليس تمرينا هذا ضرر يجب اتخاذ قرار حاسم إزاءه. صار الجسد منصّة ذات نشرتين إخباريّتين: واحدة تقول:
الوضع تحت السّيطرة. وأخرى تهمس ليلا: المخازن تنفد.
زار الطّبيب. وخرج بورقة تشبه صكّ هدنة مؤقّتة. قال صوته العالي:
انتهى الأمر. وقال الصّوت الخافت:
بدأ الآن.
في الأيّام الأولى كان يمشي منتصبا
كي لا يصدّق نفسه. كان يقاتل المرض
ويقاتل صوته معا. لكن المرض كان أهدأ منهما. وكان يعرف أنّ أكثر الأصوات تعبا هي تلك التي ترفع نفسها
طوال الوقت. بدأ يتسرّب إلى اعترافاته،
لا دفعة واحدة، بل كما يتسرّب المساء
إلى غرفة بلا ستائر. حين شكا، قال صوته الخارجيّ: أنا فقط أشرح الوضع.
وقال الصّوت الداخليّ: أخيرا… تتنفّس.
كلّ مرّة وجد إصغاء صادقا كان الصّوت الخافت يكبر خطوة. وكلّ مرّة تلقّى نصيحة بحبّ تراجع الصّوت المتعالي
نصف خطوة. هناك في تلك المسافة بين الصّوتين فهم شيئا لم يتعلّمه في خطبه: أنّ الصّلابة ليست إنكارا،
بل توازنا. وأنّ الإنسان لا يحتاج إلى إسكات صوته الدّاخلي، بل إلى مصافحته. وحين اعترف بأنّ العلاقات الرّاقية ليست ضعفا بل توزيعا عادلا للحمل، سكت الصّوتان لحظة. وفي ذلك الصّمت لم يهزم المرض، لكنّه لم يعد سيّد المكان. فهم أخيرا أنّ النّاس لم يكونوا يشكون ليشفوا، بل ليبقوا بشرا. وأنّ أخطر مرض ليس ما يصيب الجسد، بل ما يجبر الإنسان على التّظاهر بأنّه واحد بينما هو صوتان يتصارعان في الظلّ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق