عفوية مقال
أقلام من ذهب مكتبة للمطالعة .
كتبت الكثير من الخواطر والروايات وحتى قصص الأطفال، وكتبت شعرا يحاكي الواقع ويجلب الخيال بمختلف الألوان وعبث بحروف الابجدية ودغدغت مشاعرها منحتني معاني الأدب والرقة وتمنيت عزف كل الالحان الحية والميتة وصححت مفرداتي وحرصت على ذوق الجميع وألصقت بها صور مختلفة لطبيعة وللبشر، رسمت السماء ، الطيور ، الماء، المطر، الثلوج البحار والانهار البوادي والقفار وامزجت ألحان الناي الحزين تارة وتارة أخرى لحنتها بقصيد صفير البلبلي وأحيانا افكر في نحتها على اوتاد الهملايا للفوز بما تزنه ذهبا .
كتبت الكثير عن حياة الآخرين بصدق وعفوية واخرجت كبثي انحته على وزن قافية موال الصعيد وبركان قريحتي يهز مشاعري يؤلموني يشل حركات فكري المبلول بقطرات الندى وقطار البصرة فاتني من اول محطة وعيوني تحمله في ذاتي وانا وقفا أودع ما كتبت على مشارف قبيلة بني هاشم باتلال قريش .
ورعت لوقفة الجموع وهي تهتف بعيد الأدب والثقافة ، وميولي منعني من التقدم ، ألحاني خجلت وأنا اصغي لمرسال خليفة والاغنية الملتزمة وشيخنا امام واحمد نجم فؤاد بألوان شيد قصور على المزارع ، شرفت يا نيكسون بابا ، هما مين واحنا مين ، وسمعت موال وديع الصافي بسمعي الدافي ببرودة وادي الرمال بلدتي وعريني بتلك المدينة بجسورها المعلقة ، تشبعت بقارئة الفنجان ، فاتت جنبنا، الحب كدة ، اطلال ، نجمة قطبية قالوا العرب قالوا وغيرها وأنا في نفس المكان والقطار سيتغيب سويعات ولم انتباه لساعي المحطة وهو يحمل رسائل اكيد لا تصل في وقتها لتوحيد الصفوف، وقفت في آخر الصف انتظار دوري ،أشباح المحطة غادروا المكان ولم يبقى لدوري أهمية .
لم أشعر بالازدحام ولم اسمع الضجيج بعد تأخر القطار تلك الهتفات تواسي مشاعري توسع خيالي وطيفي السجين بذلك الرواق المظلم وطاقم المحطة سئموا السؤال متى وكيف سيصل القطار ، لم اتودد لاحد جلست بمفردي بعمق المحطة الخالية عن عروشها تجاذبت الحديت مع نفسي و صحيفتي البيان والنسيان وأفراد من الجنود يسارعون لآخر قاطرة للالتحق بجبهة القتال والحرب سجال يسارعون ببذلتهم المزركشة بمختلف الألوان الرمادية والخضراء وبزة الصواعق الاشاوس تغطيها وتغذيها بقع حمراء دمائنا اختلطت يارفيق دربي انهم يهرولون قبل فوات الأوان نحو الجبهة الغربية بعد صدهم للعدوان الربعي بذخيرة مغشوشة انهم يجهلون أهمية الوقت وطول المسافة بين الجبهتين انهم يجهلون بيان صحيفتي واعلانها عن نهاية الحرب .
تحليت بجزء من صبر أيوب عليه السلام ولم اتلقى اية رسالة من ساعي المحطة عدا ابتسامته الشاحبة وبرودة الطقس تسيطر على حركاته المحرجة وانين وحشة القطار تشد الانظار ببعد أمتار للمنعرج الخطير وكل الشكوك توحي بأن سبب التأخر ليس كما قالت المحطة ،بل هو قضاء وقدر ، هيهات هذا مفهوم الرسالة التي تبوثها قنوات المجاري الراكدة والتماسيح المجنونة الجائعة ألفت العيش بادغال أفريقيا وأفريقيا الوسطى تترصد بسبق الاصرار عبور البقر الوحشي ورماح الهنود اتعبت الرحلة وتشتت اسراب القطيع تواجهها افواه الأسود من الجهة الأخرى فوق تلة البحيرة تترقب الوضع وتنتظر وتختار الفريسة.
كتبت في صحيفة البيان وكنت أجهل نهاية الحرب لاني اعاني ضعف البصر عفوا ضعف النظر ، حتى المحطة تجهل ذلك ولكن اضن انها هي الأخرى تشكو ضعف النظر عفوا ضعف البصر فهي محطة للقطار وليست من طينة البشر والا لماذا اخفت علينا السعادة وحرمتنا لذة الفرحة حتى ولو اننا خسرنا المعركة في صد العدوان الثلاثي على مشارف حيفا والخليل ،والقدس الشريف ، الدخان يعلو وينتشر بطول وعرض مسالك السكة الحديدية يموه طريقه وبصوت محركه البخاري يرن ويرن يحدث ضجيج مفتعل لكنه لم يصل ، كلنا سمعنا بقدومه لكنه تأخر عن المحطة .
،مر قطيع سريع سريع بالمحطة يشبه القطار ولم يتوقف سألت بروعة وحيرة عن وجهاته فاخبرني ساعي المحطة بأنه قطار البضائع، هددته بأنني سأكتب مقالي لاخبر السماء والجميع وكل ما هو حولنا ، سأخبر أشجار المحطة ومقاعد المسافرين الشاغرة وصبر المسنين ، واعلام الوطنية ، سأخبرك قاموس التاريخ واهرامات ام الدنيا واسود المراعي وبابل وحنبعل وجامع الزيتونة والجامع الأزهر ومشايخ الزوايا القائمة والعيون النائمة ، وضباع البراري وافاعي الجحور المغلقة وكل من يستجيب للحركة بأن اليوم واليوم فقط قطار البضائع حاد عن مساره ولم يتوقف ،ألم يعلم بعد بأن الحرب انتهت ، ألم يعلم بأن الدخان المرتفع ذخان المحرك السريع وليس ذخان القنابل ،السنا مثل البضائع فلو توقف لدفعت له ما اقتنيته من الزمان وطول الانتظار وحق التذكرة وحتى حق الوقوف .
كتبت بكل الألوان وعرجت على اهم المحطات ودغدغت جل الاحاسيس ، ولم اتلقى اية استجابة فالقلوب ماتت،اضحت عديمة الذوق والروح ، تتنفس أكسجين مؤكسد ملوث بسموم ذخان القطار ولم يصل بعد ، عيون باتت نائمة وجفون عائمة في مسارح الجرم والنفاق، مكتبات شاغرة ومقاعد شاخت للزمان والبياض أعمى البصيرة واحي الخوف وعم الجهل ورقص الجزار على ضلوع الخرفان ،والبقال رتل قصيدة القلم ، والخباز رجل محسن ، والاسكافي أصدر ديوان النعل والبعل النائم يتلذذ بصوت القطار والمحطة نسفت من خيالي ولم أجد مقال البيان ومعاملة الإحسان ، كتبت بكل الألوان ولم أجد لون يناسب ويوحد رضى الأذواق والابواق ،فلا القطار دخل المحطة ولا الحرب انتهت ولا صحيفة البيان كتبت ولا انا أخبرت الآخرين عن سبب تأخر القطار بمحطة الأحلام.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق