الثلاثاء، 3 مايو 2022

كواكب خير البرية .... بقلم الاديب المصري ..كارقرضوان جمعه...

 كواكب خير البرية...ملح البلد

بقلم الأديب المصرى

د. طارق رضوان جمعه

يا لائِمِي في الهَوَى العُذْرِيِّ مَعْذِرَةً.. مِنِّـي إليــكَ ولـو أَنْصَفْتَ لَــمْ تَلُــمِ

مُحَمَّدُ سَــيِّدَ الكَــوْنَيْــنِ والثَّقَلَــيْنِ.. والفَرِيقَــيْنِ مِـنْ عُــرْبٍ ومِـنْ عَجَــمِ

نَبِيُّــنَــا الآمِـــرُ النَّـــاهِــي فلاَ أَحَـــدٌ .. أبَّـرَّ فِـــي قَـوْلِ لا مِـنْهُ وَلا نَعَــمِ

هُـوَ الحَـبيبُ الذي تُرْجَـى شَفَاعَـتُهُ.. لِكـلِّ هَــوْلٍ مِــنَ الأهوالِ مُقْتَحَـمِ

“عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يوشك أن يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا يبقى من القرآن إلا رسمه، مساجدهم عامرة وهي خراب من الهدى، علماؤهم شر مَن تحت أديم السماء، مِن عندهم تخرج الفتنة وفيهم تعود».” (الكامل، لابن عدي 4/227، وشعب الإيمان، للبيهقي 3/317-318.)

في زمن الفتن، وكثرة المغريات والانغماس في الملذات، يحتاج الواحد إلى من يذكره بالله ويوصيه بالتقوى فهي السبيل الوحيد للنجاة والبعد عن الخسران،  وأعظم من يثبت الدين في قلوب الناس بعد الأنبياء هم العلماء؛ فهم ورثة الأنبياء، وأعظم مصيبة تحل بالأمة هي فساد العلماء وسكوتهم عن بيان الحق للناس، وهم من يجب عليهم أن يبينوا للناس دينهم ويحفظوا عليهم إيمانهم قال تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ﴾ [آل عمران: 187].

وقد سطر لنا التاريخ مواقف علماء كتبت بحروف من ذهب، وخلدت سيرتهم بين الناس حيث وقفوا في وجه الباطل وقفة الجبال الراسية التي لا تهتز ولا تميل، ولم يساوموا على دينهم وعقيدتهم، حتى عذبوا وقتلوا وسحلوا في الطرقات والأزقة، وما سيرة الإمام أحمد في محنة خلق القرآن التي دعا لها المعتصم عنا ببعيد، وصاحبه العالم الجليل محمد بن نوح الذي لا يعرفه إلا القليل منا والذي مات شهيدًا في هذه الفتنه من التعذيب، وسيرة الإمام ابن تيمية وجهاده ضد المبتدعة والفرق الضالة حتي حبس ونفى من بلده ومات في سجنه.

يا علماء الدين يا ملح البلد من يصلح الملح إذا الملح فسد

وسلطان العلماء العز بن عبدالسلام رحمه الله، الذي له من اسمه نصيب في عز دين الله من أن يهان أو يهمش، وسوف أذكر طرفًا من سيرته، ومن هذه المواقف التي تُذكر عن العز بن عبد السلام سلطان العلماء أنه عندما نزل مصر ولاه حاكمها نجم الدين أيوب القضاء، وكان نجم الدين شخصًا مهابًا لا يجرؤ أحدٌ على الحديث بين يديه، وكان إذا غضب على شخص أودعه السجن فنسيه فلا يقدر أحد على إخراجه، وفي يوم من الأيام خرج بزينته والجنود يحيطون به، وهو يمشي مشية الخيلاء مزهوا بمنصبه، والعيون ترقبه والناس تهابه، إذ ناده صوت من جانب يا أيوب - هكذا باسمه مجردًا - بلا ألقاب أو كنى، فنظر فإذا هو العز بن عبدالسلام فقال: يا أيوب، ما حُجّتك عند الله إذا قال لك: ألم أُبَوِّئ لك ملك مصر ثم تبيح الخمور؟ فقال: هل جرى ذلك؟ فقال: نعم، الحانة الفلانية تباع فيها الخمور وغيرها من المنكرات! فقال: يا شيخنا هذا من أيام أبي. فقال الشيخ: أنت من الذين يقولون: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [الزخرف: 22]؟! فأمر بإغلاق تلك الحانة وشرع تشريعًا بمنع بيع الخمور في بلده.

هكذا كان العز بن عبدالسلام لا يخشى إلا الله تعالى ولا يخاف إلا من خالقه سبحانه، وحدث بعد ذلك أن سأله تلميذ له ألم تخف السلطان وأنت تناديه باسمه مجردًا فقال: استحضرتُ هيبة الله تعالى فصار السلطان أمامي كالقطّ!. وقال أيضا انه أراد أن يقلل من هيبته وزهوه بنفسه ويكسر تلك النفس المتعالية فناداه باسمه فقط.

وله موقف مشهود عندما استباح التتار بلاد المسلمين، وسفكوا الدماء ونهبوا الأرض وسقطت بلاد الشام، فيمم التتار وجوههم تجاه مصر يريدون الاستيلاء عليها، وتدميرها، وكان على رأسها في ذلك الوقت الحاكم قطز والعز بن عبدالسلام يومئذ قاضي القضاة، وكانت الدولة تمر بظروف اقتصادية صعبة، فاستفتى قطز العز بن عبدالسلام في فرض ضرائب علي الشعب لتجهيز الجيش ورد الهجوم التتاري المرتقب فوافق العز على ذلك ولكن بشرطين اثنين كل شرط أعظم من سابقة فقال: «إذا طرق العدو البلاد وجب على العالم كلهم قتالهم (أي العالم الإسلامي)، وجاز أن يؤخذ من الرعية ما يستعان به على جهازهم (أي فوق الزكاة) بشرط ألا يبقى في بيت المال شيء» وهذا شرطه الأول..

أما شرطة الثاني وهو يخاطب الحاكم والوزراء والحاشية وأمراء الجند فقال: «وأن تبيعوا مالكم من الممتلكات والآلات (أي يبيع الحكام والأمراء والوزراء ما يمتلكون)، ويقتصر كل منكم على فرسه وسلاحه، وتتساووا في ذلك أنتم والعامة، وأما أخذ أموال العامة مع بقاء ما في أيدي قادة الجند من الأموال والآلات الفاخرة، فلا!». فأذعن الحاكم قطز لهذه الفتوى الجريئة وباع جميع ما يملك، وفعل بوزرائه وأمراء جيشة، فتم تجهيز الجيش ولم تمس أموال الفقراء المعوزين، وبالتالي لم تفرض الضرائب لأن ما كان بأيدي هؤلاء من الأموال يساوي أموال الشعب كلها - وهكذا يكون العالم الرباني مدافعًا عن الحق واقفًا في وجه هؤلاء الذين اغتصبوا حقوق الفقراء واكلوا أموالهم، بينما الناس لا يجدون ما يسد جوعهم أو يكفي حاجتهم.

يخاطب الإسلام العقل والضمير والوجدان عند أصحاب العقول والعلماء والأدباء والشعراء والروائيين، وكثير منهم أشادوا بالدين الإسلامي أو أسلموا، ولكن تم التكتم على مواقفهم.

إذا أراد الغربيون أن يقفوا على حقيقة الإسلام فليسألوا فلاسفتهم وعلماءهم وأدباءهم.

اتفق عباقرة الغرب على أن محمدًا صلى الله عليه وسلم أعظم العظماء في تاريخ البشرية. هكذا قال عنه الفيلسوف الإنجليزي (برنارد شو)، إنه منقذ البشرية وإن العالم أحوج ما يكون إلى رجل في تفكيره.

وقال عنه (توماس كارليل)، الحائز على جائزة نوبل: «إنه شهاب أضاء العالم أجمع». ويضيف: «لقد أصبح من أكبر العار أن يصغي الإنسان المتمدن من أبناء هذا الجيل إلى وهم القائلين إن دين الإسلام دين كذب، وإن محمدًا لم يكن على حق. لقد آن لنا أن نحارب هذه الادعاءات السخيفة المخجلة. فالرسالة التي دعا إليها هذا النبي ظلت سراجًا منيرًا أربعة عشر قرنًا من الزمن لملايين كثيرة من الناس، فهل من المعقول أن تكون هذه الرسالة، التي عاشت عليها هذه الملايين وماتت، أكذوبة كاذب أو خديعة مخادع؟ ولو أن الكذب والتضليل يروجان عند الخلق هذا الرواج الكبير لأصبحت الحياة سخفًا وعبثًا، وكان الأجدر بها ألا توجد. إن الرجل الكاذب لا يستطيع أن يبني بيتًا من الطوب لجهله بخصائص البناء، وإذا بناه فما ذلك الذي يبنيه إلا كومة من أخلاط هذه المواد، فما بالك بالذي يبنى بيتًا قامت دعائمه هذه القرون العديدة وتسكنه مئات الملايين من الناس، وعلى ذلك فمن الخطأ أن نعد محمدًا كاذبًا متصنعًا متذرعًا بالحيل والوسائل لغاية أو مطمع. فما الرسالة التي أداها إلا الصدق والحق وما كلمته إلا صوت حق صادر من العالم المجهول، وما هو إلا شهاب أضاء العالم أجمع، ذلك أمر الله. إن طبيعة محمد الدينية تدهش كل باحث مدقق نزيه المقصد بما يتجلى فيها من شدة الإخلاص، فقد كان محمد مصلحا دينيا ذا عقيدة راسخة.»

وفي كتابه "قصة الحضارة" كتب الفيلسوف والمؤرخ الأمريكي (ويليام جيمس ديورانت) يقول: « إن محمدًا كان من أعظم عظماء التاريخ، فقد أخذ على نفسه أن يرفع المستوى الروحي والأخلاقي لشعب ألقت به في دياجير الهمجية حرارة الجو وجدب الصحراء، وقد نجح في تحقيق هذا الغرض نجاحًا لم يدانه أي مصلح آخر في التاريخ كله».

تقول أستاذة الأدب الألماني (كاترينا مومزن): «إن علاقة غوته بالإسلام ونبيه ظاهرة مدعاة للدهشة في حياته، فكل الشواهد تدل على أنه في أعماقه شديد الاهتمام بالإسلام، وأنه كان يحفظ عشرات من آيات القرآن».

ويقول غوته: (إن الله أنزله على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وهو أمي لا يعرف شيئًا عن الفلسفة، ولم يكن شاعرًا، وهو ما جعل البشر يصدقون دعوته. وكان القرآن معجزة لغوية للعرب، وهم أهل البلاغة، ولن يكون في مقدور أحد من البشر الوصول إلى هذه المعجزة الربانية).

ويوضح غوته الفرق بين النبي محمد صلى الله عليه وسلم والشاعر: «هو نبي وليس شاعرًا، ولذلك يُنظر إلى القرآن على أنه قانون إلهي وليس كتابًا للإنسان معدًا للتربية أو الترفيه».

ومن الشعراء والأدباء المسيحين من يشهد للإسلام وللنبي محمد، فيقول الشاعر السوري وصفى قرنفلي :

قد يقولون: شـاعرٌ نصراني يرسل الحب فى كِذابِ البيانِ يتغنى هوى الرسولِ .. ويهذى بانبـثاق الهـدى من القرآنِ

ويقول الشاعر السوري جورج سلسلتي :

يا سيـدى يا رسول الله معذرةً إذا كبا فيك تبياني وتعبيري

ماذا أوفيك من حق وتكرمةٍ وأنت تعلو على ظني وتقديري؟!

مر شعر البوصيري بمراحل ففى مرحلة تولى الإمام والشاعر شرف الدين البوصيري مديرية الشرقية لجباية الضرائب، وامتاز شعره في هذه المرحلة بالشكوى من سوء حاله، وضيق ذات يده، وبالتذمر من الموظفين في عصره، الذين كانوا يأكلون أموال الناس بالباطل، فكان شعره في هذه المرحلة يصف الحالة الاجتماعية بمصر في عصره.

ندعوك عن فقر إلـيـك وحاجة ومجال فضلك للعباد فسـيح

فاصفحْ عن العبد المسيء تكرُّمًا إن الكريم عن المسيء صفوح

وكثرت رحلاته إلى البلدان المصرية والاتصال بمن فيها من الولاة، وله فيهم بعض المدائح وكذلك في بعض وزراء الدولتين الأيوبية والمملوكية وفى بعض الأمراء والسلاطين، ويبدو أنه كان يضطر للمديح اضطراراً؛ ليوفر لأولاده الكثيرين الطعام والثياب، ويُصرِّح بذلك مراراً في مديحه بمثل قوله:

إليـــكَ نَـشْكُــــو حـالَنــــا إنّنــا .. عـائلــــةٌ فـي غـايَـــةِ الكَــثْرَهْ

وتعد أهم مراحل البوصيري وأشهر إنجازاته هى مرحلة

مدح النبي صلى الله عليه وسلم، وكان سبب شهرته قصيدة البردة أو « الكواكب الدريَّة في مدح خير البرية »، التي تعتبر أهم القصائد بين المدائح النبوية؛ إذ أنها أصبحت مصدر الوحي لكثير من القصائد التي أُنْشِئَت بعد قصيدة البوصيري في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم، وعن سبب وضعه لهذه القصيدة قال:

“كنت قد نظمت قصائد في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ منها ما كان اقترحه عليَّ الصاحب زين الدين يعقوب بن الزبير، ثم اتفق بعد ذلك أن صاحبني شلل أبطل نصفي، ففكرت في عمل قصيدتي هذه فعملتها، واستشفعت بها إلى الله تعالى أن يعافيني، وكررت إنشادها وبكيت، ودعوت وتوسلت، ونمت فرأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- في المنام، فمسح على وجهي بيده المباركة، وألقى عليَّ بردة، فانتبهت ووجدت فيَّ نهضة، فقمت وخرجت من بيتي”.

«البردة» للإمام البوصيري تعد درة قصائد المديح النبوي، فهى واحدة من أشهر القصائد الدينية التي مازال يرددها المنشدون الصوفيون، بمختلف المناسبات الدينية بمصر وغيرها من بلدان العالم الإسلامي.

أما أبرز من ألهمته «البردة» من الشعراء، فهو أمير الشعراء أحمد شوقي، حيث نظم قصيدته «نهج البردة»، التي أنشدتها كوكب الشرق أم كلثوم، وكان مطلعها:

«ولد الهدى فالكائنات ضياء وفم الزمان تبسم وثناء

الروح والملأ الملائك حوله للدين والدنيا به بشراء


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

خذني معك ....بقلم مريم سدرا

 خذني معگ بعيدا عن ضجيج الأماكن  وأتساع المسافات  بعيدا عن رقعة الزمن  والقوافي والكلمات  أحملني بين شفتيك  كنداء خفي لا تراه  الالسن ولا تس...