مكاشفة .......
===============
د. عباس الجبوري
تعتبر الثقافة بمثابة التاريخ الوجداني للمجتمعات ، وتأتي أهمية والتباسات التماس مع التاريخ ولو كان معقداً، لأن التعرف على أهم وأفضل الفعاليات في أي مشهد ثقافي مهمة ليست سهلة، فالمشهد الثقافي دائماً يتلوّن بأشكال الرغبات والمراوغة المجتمعية التي تقوم على التقديم والتأخير والتبجيل والتبخيس، بمقتضى الأغراض الدعائية والوجاهية، وفي العرض ما قد تظنه المعيار الحقيقي للكفاءة في الأدب والرواية والشعر والفنون وغيره، لمن يهتم من الأصدقاء والمهتمين والرفعات الإعلامية، ليجد الإنسان نفسه بعد أول الخطوات داخل متاهة فيها الكثير من التناقض والمبالغات والزيف، الأمر الذي يدفعه للسير بخريطة طريق غير مأمونة النتائج...
ليس من المنطقي أن يبدأ الكاتب والفنان جولاته الاستقصائية من الصفر، فكل مشهد ثقافي وفني فيه عدد من المبدعين الحائزين على جوائز تقديرية، سواء على الصعيد المحلي، أو من خارج الحدود، وهذه محطة معقولة وممكنة للتماس مع عصارة المنجز الثقافي وأفضل تجلياته الموضوعية والفنية، أو هذا ما يفترضه منطق الجوائز، فهي لا تُمنح إلا لمنجزات ذات مضمون متماسك وتقنية كتابية متعالية فنياً، إلا أن تقليب المتوجة بالجوائز على جمر يخضع لردود أفعال غير متوقعة، لأن الجوائز تُوهب أيضاً للمنافقين والمتسلقين والإنتهازيين والمتطفلين على كل الفنون ، بمعنى أن الجوائز لن تكون هي المعيار الذي يمكن الاحتكام إليه والتسليم بفاعليته.
وفي كل مشهد ثقافي هناك ضجيج إعلامي صاخب ، وهو صراخ أبعد ما يكون عن الأدب، وأشبه ما يكون بهتافات مدرجات كرة القدم، إذ لا مقاربات أدبية واعية تعطي الحق بالتهويل إلّا بعد النقد ..!، وإنما هي مجرد مجادلة حول أثرها الاجتماعي أو الاصطفاف إلى جانب اسم مؤلفها، وهذا مؤشر يمكن الاهتداء به أيضاً مع شيء من التحفظ والحذر، لأن بعض الفعاليات في ميدان الثقافة والفنون تثير موجات من الجدل إلى درجة الاختلاف بها وعليها تستحق أن تكون محل قراءة وتدقيق، فهي بالتأكيد تحمل ما يشفع لها فنياً وموضوعياً، إلا أن فحص طيات ذلك الجدل قد تكشف أن كل ذلك الضجيج المفتعل وأسبابه الاجتماعية والعقدية، أما الفن فلا أثر له، وهذه السجالات معروفة في كل مشهد يبحث عن قضية يتحلق حولها، وغالباً ما تكون حالة سواء كانت مقالة ام قصيدة أو روايه أو عمل تشكيلي هي الطعم، وبأي شكل من الأشكال، وتحت أي ذريعة منهجية أو ذوقية، وقد تكون مكتوبة أو مرسومة أو مدونة بحرفية أدبية عالية .. كانت محط أنظار ودراسات النقاد جديرة لا بالقراءة وحسب، بل بمقاربتها كأفضل ما أنتجه هذا المجتمع من سرديات، وبمجرد أن يقترب من المنجز النقدي سيلاحظ أن النقد الأدبي والفني قليل جداً بموجب التحليل الكمي، مقارنة بجبل هائل من مخزون الثقافة، كما سيلاحظ أن بعض تلك القراءات كانت منذورة لمناسبة منبرية أو ضمن رسالة جامعية، وقد يقف على مطالعات نقدية ذات منزع جمالي، ولكن المحصلة العامة لن تعطيه تلك الصورة الأمينة لأطلس الثقافة، لأن معظم القراءات النقدية مناسباتية ومزاجية وتعاضدية، ولا يمكن اعتمادها لوزن إيقاعية المشهد الثقافي.
وعلى جانب المشهد سيصادف الباحث بعض الكتابات والقصائد المترجمة إلى اللغة الإنكليزية أو إلى أكثر من لغة، وحينها سيتوهم أنه أمسك بالخيط الذي سيوصله إلى أهم وأجمل ما يتمناه ، لكن (الآخر) لا يجامل على حساب القيمة الأدبية، وتأهل الترجمة لا يعني أنها تجاوزت ذائقة ووعي القارئ المحلي وأقنعت القارئ القادم من وراء الحدود بجمالياتها، لأنها مصممة في مناخات مجتمعية وعقائدية وذات تراث عريق ، يعني ذلك الوهم لن يدوم طويلاً، إذ قد يكتشف إنما الترجمة كانت بجهود وعلاقات وأموال مؤلفها، أو أنها مرعية ومدعومة رسمياً من المؤسسة الثقافية لأسباب لا علاقة لها بالعبقرية الأدبية، إلى جانب مجموعة من الأسباب الأخرى التي باتت معروفة ومفضوحة.
لكل مشهد ثقافي خبراؤه الذين يحيثون المنجز أثناء تشكُّله بكل أسمائه التأسيسية وتنوّع أداءاته ومبدعيه ومغامراته التجريبية، وهم خبراء تحتمل أحكامهم الصواب والخطأ، ولذلك لا يمكن التسليم بكل ما يرجحونه، خصوصاً أن إطلاق حكم القيمة على منجز لا يُعتمد بمجرد إشارة القبول أو الرفض، بل لا بد للخبراء أن يقدموا باستمرار ما يؤكد درايتهم بالمشهد، من خلال القراءات المتوالية والنقد ، وعبر المتابعات التنظيرية والتطبيقية ، وهذا ما يرفع قدر الثقافة إلى مستوياتها المرموقة بالإشارة إلى مبدعيها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق